حبيب الله الهاشمي الخوئي
342
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
المقام الثالث في تحقيق الحديث المعروف المرويّ في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اذينة عن أبي عبد الله عليه السّلام قال : خلق الله المشيّة بنفسها ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة . وقد ذكروا في تأويله وجوها أشار إليها المحدّث العلَّامة المجلسيّ طاب رمسه في مرآة العقول . الأوّل أن لا يكون المراد بالمشيّة الإرادة بل احدى مراتب التّقديرات التي اقتضت الحكمة جعلها من أسباب وجود الشّيء ، كالتّقدير في اللَّوح مثلا والاثبات فيه ، فانّ اللَّوح وما أثبت فيه لم يحصل بتقدير اخر في لوح سوى ذلك اللَّوح وإنما وجد ساير الأشياء بما قدّر في ذلك اللَّوح وربما يلوح هذا المعنى من بعض الأخبار ، وعلى هذا المعنى يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير . الثّاني أن يكون خلق المشيّة بنفسها كناية عن كونها لازمة لذاته تعالى غير متوقّفه على تعلَّق إرادة أخرى بها ، فيكون نسبة الخلق إليها مجازا عن تحقّقها بنفسها منتزعة عن ذاته تعالى بلا توقّف على مشيّة أخرى ، أو أنه كناية عن أنّه اقتضى علمه الكامل وحكمته الشّاملة كون جميع الأشياء حاصلة بالعلم بالأصلح ، فالمعنى أنه لما اقتضى كمال ذاته أن لا يصدر عنه شيء إلَّا على الوجه الأصلح والأكمل فلذا لا يصدر شيء عنه تعالى إلَّا بإرادته المقتضية لذلك . الثالث ما ذكره السيّد داماد قدّس الله روحه وهو : أنّ المراد بالمشيّة هنا مشيّة العباد لأفعالهم الاختيارية ، لتقدّسه تعالى عن مشيّة مخلوقة زايدة على ذاته عزّ وجلّ وبالأشياء أفاعيلهم المترتّب وجودها على تلك المشيّة ، وبذلك تنحلّ شبهة ربما أوردت ههنا ، وهي : أنه لو كانت أفعال العباد مسبوقة بإرادتهم لكانت الإرادة مسبوقة بإرادة أخرى وتسلسلت الإرادات لا إلى نهاية . الرّابع ما ذكره بعض الأفاضل وهو : أنّ للمشيّة معنيين أحدهما متعلَّق بالشّائى وهي صفة كمالية قديمية هي نفس ذاته سبحانه ، وهي كون ذاته سبحانه